قال رامز الأكبروف القائم بأعمال المنسق الخاص للأمم المتحدة لعملية السلام في الشرق الأوسط إن سكان غزة ما زالوا يواجهون أزمة إنسانية معقدة رغم إحراز تقدم في إدخال المواد الغذائية، مشيرا إلى استمرار مشكلات المياه والصرف الصحي والمأوى وإدارة النفايات، إلى جانب ارتفاع الاعتماد على المساعدات والتحويلات النقدية في ظل عدم تعافي سوق العمل.
وفي مقابلة مع أخبار الأمم المتحدة - على هامش الأسبوع رفيع المستوى للجمعية العامة - أوضح الأكبروف أن الأمم المتحدة تواصل العمل في مجالات المياه والصرف الصحي والصحة وإزالة الأنقاض والتعليم ودعم المزارعين في غزة.
الأكبروف الذي يشغل أيضا منصب منسق الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية في الأرض الفلسطينية المحتلة أشار إلى أن أكثر من 300 ألف طفل في غزة يتلقون التعليم في مساحات مؤقتة، فيما لا تتاح سوى نسبة محدودة من الأراضي للنشاط الزراعي.
وقال إن الأونروا لا تزال تعمل في غزة رغم القيود المفروضة عليها، موضحا أن معبر كرم أبو سالم هو المعبر الوحيد المفتوح حاليا أمام حركة موظفي الأمم المتحدة، وأن القيود المفروضة على المواد المصنفة باعتبارها "ذات استخدام مزدوج" تعرقل جهود التعافي المبكر وإدخال مواد الإيواء والمعدات اللازمة لإعادة الإعمار.
ونقل الأكبروف عن سكان غزة رغبتهم في عدم قضاء شتاء آخر في الخيام، والعودة إلى المدارس والعمل والمساهمة في إعادة بناء مجتمعهم، إضافة إلى استعادة خدمات المياه والصرف الصحي والكهرباء. وأشار إلى أن أكثر من 8 آلاف شخص لا يزالون مفقودين تحت الأنقاض.
وفي الضفة الغربية، وصف الأكبروف الوضع بأنه "متوتر للغاية"، مشيرا إلى استمرار النشاط الاستيطاني والعنف وقيود الحركة والضغوط الاقتصادية. وقال إن الأمم المتحدة تقدم منحا ومساعدات نقدية ودعما قانونيا للأسر والمجتمعات المتضررة.
وحول المسار السياسي، أكد الأكبروف أنه "لا بديل عن حل الدولتين"، مشددا على ضرورة معالجة القضية بصورة شاملة، وإعادة بناء الثقة ووقف التحريض على العنف، ودعم وحدة المؤسسات الفلسطينية. كما أكد أهمية دعم الانتخابات الفلسطينية، معتبرا أنها عنصر مهم في دفع الأفق السياسي قدما.
المزيد في الحوار التالي مع السيد رامز الأكبروف القائم بأعمال المنسق الخاص للأمم المتحدة لعملية السلام في الشرق الأوسط.
أخبار الأمم المتحدة:السيد الأكبروف، شكرا جزيلا على الانضمام إلينا. بداية، أخبرنا لماذا أنت هنا في نيويورك؟
رامز الأكبروف: نحن هنا خلال الأسبوع رفيع المستوى، للقاء نظرائنا من مختلف المنظمات الدولية، وزملائنا في الأمم المتحدة، وكذلك الدول الأعضاء، ومناقشة جميع القضايا المتعلقة بفلسطين.
وعلى وجه التحديد، شاركنا هذا الأسبوع في اجتماع لجنة الاتصال المخصصة المعنية بفلسطين. كما عُقد اجتماع للتحالف العالمي من أجل (دعم تطبيق) حل الدولتين، وشاركنا أيضا في عدد من الفعاليات الجانبية الأخرى المتعلقة بغزة وإعادة إعمارها.
وبالتالي، فإن الأمر يتعلق أساسا بجميع المسائل المرتبطة بالأرض الفلسطينية المحتلة، وعمل الأمم المتحدة خلال اجتماعات الجمعية العامة.
أخبار الأمم المتحدة: ذكرت أن هناك حلقة متكررة من المشكلات في غزة. هل يمكن أن تحدثنا عنها بمزيد من التفصيل؟
رامز الأكبروف: بعد عام من وقف إطلاق النار، ورغم إحراز تقدم في إدخال عناصر أساسية مثل المواد الغذائية والتغذية، لم نتمكن بعد من حل مشكلة متكررة جدا تتعلق بالمياه والصرف الصحي.
فلا يزال الناس لا يحصلون على المياه النظيفة بكميات كافية. كما لا توجد إمدادات مياه منتظمة للمناطق المختلفة، ولذلك نقوم بالكثير من عمليات نقل المياه وتوزيعها.
وهذا يرتبط ارتباطا وثيقا بحقيقة عدم وجود عمليات لتنظيف مياه الصرف الصحي ومعالجتها وإدارتها. ولم تُستأنف هذه العمليات بعد.
ويرتبط الأمر كذلك بحقيقة أن معظم النازحين يعيشون في خيام، وليس في مبانٍ مسبقة الصنع أو مساكن دائمة. وهذا يؤثر أيضا على النتائج الصحية، لأن غياب المياه النظيفة والمأوى وإدارة النفايات، أو محدودية إدارة النفايات ومحدودية الحصول على المياه النظيفة، يؤدي إلى مشكلات صحية، وهذا هو جوهر المشكلات التي تواجه سكان غزة اليوم.
وبالإضافة إلى ذلك، هناك مسألة العمالة. فالوظائف لم تُستعد بعد، والناس يعتمدون بدرجة كبيرة على التحويلات النقدية التي نقدمها، كما أن قدرتهم على شراء السلع المتاحة في السوق، ولا سيما المواد الغذائية وغيرها، تعتمد بدرجة كبيرة للغاية على هذه التحويلات النقدية.

© UNRWAتتواصل عمليات البحث والإنقاذ في أعقاب انهيار مبنى متضرر من الحرب في مدينة غزة.
أخبار الأمم المتحدة: كيف تقدم الأمم المتحدة المساعدات الإنسانية إلى سكان غزة؟ وهل لا تزال الأونروا تعمل؟
رامز الأكبروف: نعم، الأونروا لا تزال تعمل. وهي تواجه، بالطبع، الكثير من الصعوبات في عملها بسبب القيود المفروضة على المؤسسة.
لكن زملاءنا في الأونروا يعملون بالتضامن مع جميع وكالات الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية، ومع جميع الشركاء في المجال الإنساني الموجودين على الأرض.
سياسة المواد ذات الاستخدام المزدوج تفرض قيودا خطيرة على جهودنا
وحاليا، لا يوجد سوى معبر واحد مفتوح أمام موظفينا للدخول إلى غزة والخروج منها بالتناوب. وهو المعبر نفسه الذي يُستخدم بوصفه المدخل الرئيسي للإمدادات. ونحن نتحدث عن معبر كرم أبو سالم. أما المعابر الأخرى فلا تزال مغلقة.
ومرة أخرى، فإن سياسة المواد ذات الاستخدام المزدوج تفرض قيودا خطيرة على جهودنا الرامية إلى إطلاق أنشطة التعافي المبكر.
ونواجه باستمرار صعوبات في إدخال مواد الإيواء المطلوبة، ولا سيما لإنشاء مساكن أكثر استدامة، لأن كثيرا من هذه المواد تصنفها سلطة الاحتلال على أنها مواد ذات استخدام مزدوج.

UN Newsفرق وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل لاجئي فلسطين (الأونروا) ترش المبيدات ومواد مكافحة الحشرات والقوارض، في أحد مخيمات النازحين في مدينة غزة
أخبار الأمم المتحدة: ما المقصود بالمواد ذات الاستخدام المزدوج؟
رامز الأكبروف: أي شيء يمكن استخدامه، على سبيل المثال في إنشاء هيكل أو منشأة، يمكن تفسيره على أنه شيء يمكن استخدامه لتعزيز الأنفاق، على سبيل المثال.
أو أي شيء يحتوي على معدن يمكن استخدامه لأغراض أخرى. لكن نطاق هذه المواد واسع جدا، ولا توجد قائمة شاملة بها. فعلى سبيل المثال، لا نستطيع إدخال المباني مسبقة الصنع. لكن يمكننا إدخال وحدات إيواء للاجئين، وهي مصنوعة في معظمها من البلاستيك.
أخبار الأمم المتحدة: عمليا، ماذا تفعل الأمم المتحدة الآن على الأرض لمساعدة سكان غزة؟
رامز الأكبروف: نقوم بالكثير من العمل في مجال المياه والصرف الصحي. ويشمل ذلك نقل المياه وإعادة تأهيل مرافق معالجة المياه.
كما أن محطة لتحلية المياه تعمل، على الأقل هناك محطة واحدة زرتها في المرة الأخيرة، وهناك العديد من المواقع الأخرى التي تجري فيها عمليات تحلية المياه.
أوشكنا على إكمال تنظيف سوق فراس، الذي كان موقعا رئيسيا لتجميع النفايات خلال الحرب

UN Newsكميات هائلة من النفايات على جانب شارع عمر المختار السكني، في المكان الذي كان يُعرف بسوق فراس الشعبي.
وهذا أحد مجالات العمل. كما ندعم الجهود الصحية، من خلال العديد من العيادات التي توفر الأدوية الأساسية والدعم اللازم.
وتُعد إدارة الأنقاض مشكلة كبيرة جدا. وقد أكملنا للتو، أو أوشكنا على إكمال تنظيف سوق فراس، الذي كان موقعا رئيسيا لتجميع النفايات خلال الحرب وبعدها، وكانت النفايات فيه قد شكلت جبلا بحجم مبنى من ثمانية طوابق.
وقد أزيلت الآن بالكامل تقريبا، وسنستأنف قريبا بعض الأنشطة التجارية في السوق. كما ندعم المزارعين المحليين ببعض المعدات الأساسية لاستئناف نشاطهم حيثما كان ذلك ممكنا.
وللأسف، لا تتاح سوى نسبة 3 في المائة من الأراضي للنشاط الزراعي، كما أن 10 في المائة فقط من الصوبات الزجاجية متاحة للاستخدام. وهناك الكثير من العمل الذي نقوم به أيضا. وتكتسب الجهود التعليمية أهمية بالغة. فهناك ما يقرب من 300 ألف طفل وأكثر يتلقون التعليم في مساحات مؤقتة للتعلم.
أخبار الأمم المتحدة: درجت على زيارة غزة بانتظام. عندما تتحدث إلى الناس هناك، ما هي رسالتهم؟
رامز الأكبروف: سكان غزة متعبون. إنهم يريدون العودة إلى الحياة الطبيعية. ويطلبون ألا يضطروا إلى قضاء شتاء آخر في الخيام. إنهم بحاجة إلى مساكن أفضل، وإلى أماكن أفضل يقضون فيها فصل الشتاء.
سكان غزة متعبون ويريدون العودة إلى الحياة الطبيعية
ويريدون العمل. فسكان غزة يتمتعون بمهارات عالية. وهي واحدة من أكثر المناطق تعليما في العالم، لأن الناس عاشوا في عزلة لفترة طويلة. وكان للاستثمار التاريخي في التعليم وإعطائه الأولوية دور كبير في ذلك. لذلك، فإن أول ما يطلبونه هو أن يتمكن أطفالهم من العودة إلى المدارس.
وثانيا، يريدون أن يساهموا بصورة فاعلة في تعافي أرضهم وإعادة بناء غزة.
لكننا نحتاج من أجل ذلك إلى مواد ومعدات بناء وزيوت للمحركات ووقود، ونحتاج في الأساس إلى إدخال كل ما يشكل مقومات الحياة الطبيعية. إنهم يريدون إعادة بناء حياتهم.
ولا يزال هناك أكثر من 8 آلاف شخص تحت الأنقاض. وهم يطلبون أن تتاح لهم إمكانية دفن موتاهم وانتشالهم ومواراتهم الثرى بصورة كريمة.
هذه بعض المطالب الأساسية. وبالطبع، فإن استعادة نظام المياه والصرف الصحي وإعادة إمدادات الكهرباء، كلها مطالب رئيسية أيضا.
أخبار الأمم المتحدة: فيما يتعلق بالوضع في الضفة الغربية، حذرت سابقا من أن الضفة الغربية وصلت إلى نقطة حرجة، كيف تصف لنا الوضع هناك الآن؟
رامز الأكبروف: الوضع متوتر للغاية. وما نشهده هو نشاط استيطاني مكثف للغاية، واستمرار مضايقة المجتمعات الفلسطينية.
وفي إحدى المرات، زرت مجتمعا محليا قُطعت فيه جميع أشجار الزيتون. وزرت منازل هُدمت، بما في ذلك مدارس ومرافق مجتمعية، كما تُسرق الماشية.
وهذا أصبح سمة مستمرة من سمات الحياة في الضفة الغربية. والآن، ارتقت الهجمات والتحريض على العنف إلى مستوى جديد. إنه وضع بالغ الخطورة، ولا يقتصر الأمر على العنف وحده.
فهناك أيضا قضايا أخرى، مثل الترتيبات المصرفية. وكما تعلمون، فقد فُرضت قيود على إعادة الشيكل النقدي من الأراضي الفلسطينية إلى إسرائيل.
كما أن الترتيبات المصرفية المقابلة بين المصارف الفلسطينية والإسرائيلية كانت تُجدد باستمرار على أساس شهري. أما الآن، فلا تُجدد سوى حتى نهاية العام. ولا تُدفع الرواتب إلا بنسبة 50 في المائة.
وإذا أضفنا إلى ذلك عنف المستوطنين، وقيود الحركة، وكل ما يحدث، فضلا عن الضائقة الاقتصادية المفروضة على الضفة الغربية، فإن الوضع يبعث على بالغ القلق.

© UNICEF/Rawan Eleyanأم وأطفالها يبحثون في متعلقاتهم بعد أن أحرقت غرفة في منزلهم في هجوم قام به مستوطنون في جنوب الخليل، الضفة الغربية. (يوليو 2025)
أخبار الأمم المتحدة: عمليا، ماذا تفعل الأمم المتحدة على الأرض لمساعدة الأشخاص العالقين في الضفة الغربية؟
رامز الأكبروف: أولا وقبل كل شيء، لدينا برامج تقدم المساعدة إلى المتضررين. فعلى سبيل المثال، إذا تعرض مجتمع للعنف، أو قُطعت أشجار الزيتون، أو تضررت سبل العيش، فإننا نقدم منحا.
نحاول مساعدة الأسر المتضررة العنف في الضفة الغربية على إعادة بناء حياتها
ولدينا نظام للاستجابة السريعة. ونحاول دعم الأسر اقتصاديا ومساعدتها على إعادة بناء سبل عيشها. كما نقدم المساعدة النقدية، ونتعامل أيضا مع الاحتياجات الأخرى التي قد تكون لدى هذه المجتمعات.
ويشمل ذلك الحماية القانونية والمتابعة من خلال ائتلافات تضم عددا من المنظمات غير الحكومية العاملة في هذا المجال. وبالتالي، فإن الأمر يتعلق أساسا بحمايتهم اقتصاديا، وكذلك بحماية حقوقهم.
أخبار الأمم المتحدة: أخيرا، بعد عقود من الدبلوماسية الدولية، ما الذي يتعين تغييره حتى يصبح من الممكن تحقيق مسار موثوق نحو حل الدولتين عن طريق التفاوض؟
رامز الأكبروف: نحتاج إلى معالجة هذه المسألة بصورة شاملة.
هذا الأسبوع، جدد التحالف العالمي من أجل (دعم تنفيذ) حل الدولتين تأكيد التزام المجتمع الدولي القوي بحل الدولتين ودعمه له. وعلى الأرض، علينا مواصلة العمل على جميع المسارات.
أولا وقبل كل شيء، هناك حاجة إلى وقف التحريض على العنف، وهناك حاجة إلى إعادة بناء الثقة داخل المجتمعات. وهنا تؤدي المنظمات غير الحكومية وغيرها دورا مهما.
لا بديل عن حل الدولتين والانتخابات الفلسطينية ستكون عاملا مهما لدعم ذلك
ثانيا، يتعين علينا، بوصفنا مجتمعا دوليا، استخدام المساعي الحميدة اللازمة لضمان أن توقف القوة القائمة بالاحتلال، في هذه الحالة إسرائيل، النشاط الاستيطاني غير القانوني، وأن تعود إلى المفاوضات مع الفلسطينيين، وأن تتم معالجة هذه المسألة بصورة مباشرة. لا بديل عن حل الدولتين.
ويجب توحيد المؤسسات الفلسطينية. ويتعين على اللجنة الوطنية لإدارة غزة والسلطة الفلسطينية أن تعملا معا جنبا إلى جنب.
وينبغي لنا، بوصفنا مجتمعا دوليا، أن نسترشد في جميع أعمالنا، وأن تضمن الأمم المتحدة أن تكون هناك فلسطين واحدة، وخطة تعافٍ واحدة، وحكومة واحدة، ونهج واحد، بحيث لا يُنظر إلى فلسطين بأي شكل من الأشكال باعتبارها برامج منفصلة لغزة وبرامج منفصلة للضفة الغربية.
والأهم من ذلك، نحتاج إلى دعم الانتخابات الفلسطينية هذا العام. وستكون الانتخابات في فلسطين عاملا مهما لدعم حل الدولتين ودفع الأفق السياسي إلى الأمام.


