تنظيم أول انتخابات ديمقراطية بعد حروب أهلية وحشية في موزمبيق وكمبوديا. نزع سلاح آلاف الأطفال المجندين في سيراليون. المساعدة في ضمان استقلال ناميبيا عن جنوب أفريقيا. هذه بعض إسهامات عمليات الأمم المتحدة حول العالم في مساعدة الدول على الانتقال من الصراع إلى سلام دائم.
في ظل مواجهة العالم لأعلى عدد من الصراعات منذ عام 1945، وارتفاع حصيلة القتلى جراء الحروب، وتزايد نشر عمليات حفظ السلام لاحتواء العنف بدلا من تنفيذ الاتفاقات، يتعين على الأمم المتحدة ودولها الأعضاء التكيف لضمان أن تبقى هذه العمليات مهمة، كما قال الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش أمام الجمعية العامة اليوم الأربعاء.
وأضاف غوتيريش: "عمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة أدوات لا غنى عنها للحفاظ على السلم والأمن الدوليين، ولكن لكي تكون أكثر فعالية، يجب أن تتكيف مع الواقع الجديد".
في مقر الأمم المتحدة بنيويورك، قدم الأمين العام أول مراجعة شاملة لمستقبل جميع أشكال عمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، بناء على طلب من مـيثاق المستقبل التاريخي.
وقدم غوتيريش توصيات للدول الأعضاء للنظر في كيفية تكييف أدوات الأمم المتحدة لتلبية الاحتياجات المتغيرة، بما يسمح بتقديم استجابات مُخصصة للتحديات القائمة والناشئة والمستقبلية.
ما هي عمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة؟
تغطي مراجعة الأمين العام طيفا واسعا من عمليات حفظ السلام الأممية. ويشمل ذلك البعثات السياسية المدنية الخاصة وعمليات فرض السلام التي يصرح بها مجلس الأمن، بدءا من مكتب صغير يضم شخصين لدعم مبعوث أممي شخصي، وصولا إلى عمليات حفظ السلام واسعة النطاق ومتعددة الأبعاد.
وقال غوتيريش في كلمته: "تُعد عمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة شكلا بالغ الأهمية من أشكال العمل متعدد الأطراف. إنها تساعد على نزع فتيل الأزمات، ووقف النزاعات، ودعم وقف إطلاق النار، وحماية المدنيين. وفي الأراضي التي لطختها إراقة الدماء، تهيئ هذه العمليات مساحة للحوار وتفتح مسارات السلام".
أصحاب الخوذات الزرقاء
منذ عام 1948، صرح مجلس الأمن بإنشاء بعثات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة لمساعدة أطراف النزاع على التوصل إلى حلول سياسية، ومنع تحول المنازعات إلى صراعات، والحد من العنف المسلح في ظل استمرار البحث عن حل سياسي. يبلغ عدد بعثات حفظ السلام الحالية 11 بعثة عاملة.
يُعرف حفظة السلام التابعون للأمم المتحدة باسم "أصحاب الخوذات الزرقاء" نسبة إلى زيهم المميز وخوذاتهم التي تحمل لون الأمم المتحدة الأزرق.
يسترشد حفظة السلام بثلاثة مبادئ رئيسية: ضرورة موافقة أطراف النزاع، والحياد، وعدم استخدام القوة إلا في حالة الدفاع عن النفس أو دفاعا عن ولايتهم.
عملهم لا يخلو من المخاطر - فقد لقي أكثر من 4500 من حفظة السلام التابعين للأمم المتحدة حتفهم في بعثات حول العالم. وقد حظيت جهودهم بتقدير واسع، بما في ذلك حصولهم مجتمعين على جائزة نوبل للسلام عام 1988 "لجهودهم في منع الاشتباكات المسلحة وتهيئة الظروف للمفاوضات".
البعثات السياسية الخاصة

UNSMILالممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة في ليبيا هانا تيته، مع مشاركات في برنامج "رائدات"، خلال فعالية شهدت عروضا قدّمتها الشابات الليبيات استعرضن فيها إنجازاتهن بعد إتمام دورة تدريبية رقمية للتميز في إعداد الحملات الإعلامية والتوعوية.
أما البعثات السياسية الخاصة فتتألف من أفراد مدنيين يتم نشرهم بناء على ولايات من مجلس الأمن لمنع النزاعات، والتوسط في مناقشات السلام، ودعم التحولات السياسية.
لا تعتمد هذه البعثات على قوات عسكرية كبيرة، بل تعمل مع الحكومات وأطراف النزاع والمنظمات الإقليمية والمجتمع المدني.
وقد نشرت الأمم المتحدة 167 بعثة من هذا النوع منذ عام 1948. وقد بلغ عددها 40 بعثة نشطة في عام 2024، وفقا لمراجعة أجرتها إدارة الأمم المتحدة للشؤون السياسية وبناء السلام التابعة.
فرض السلام
يُخوّل مجلس الأمن عمليات فرض السلام بموجب الفصل السابع من مـيثاق الأمم المتحدة، الذي يُلزمها بتطبيق مجموعة من التدابير، بما في ذلك استخدام القوة العسكرية.
وخلافا لعمليات حفظ السلام والبعثات السياسية الخاصة، لا يتطلب فرض السلام دائما موافقة أطراف النزاع، ولا تشارك قوات حفظ السلام فيها بشكل مباشر.
في عدد من السياقات الحديثة، مثل هايتي ومالي والصومال، عملت بعثات الأمم المتحدة لحفظ السلام جنبا إلى جنب مع عمليات فرض السلام التي تنفذها قوات غير تابعة للأمم المتحدة مُخوّلة من قبل المجلس، حيث نفذت مهام تركز على دعم العمليات السياسية الوطنية وترسيخ السلام على نطاق أوسع.
وتندرج عمليات دعم السلام التي ينفذها الاتحاد الأفريقي والمخولة من قبل المجلس ضمن هذه الفئة أيضا.
الوضع الراهن
حذر الأمين العام للأمم المتحدة في تقريره من تدهور بيئة العمل الحالية لعمليات السلام.
وأشار التقرير إلى أن النزاعات أصبحت أكثر تعقيدا، وأن اتفاقات السلام الشاملة باتت أقل شيوعا، وأن التمويل قد انخفض، حيث أدت التخفيضات الأخيرة إلى تقليص ما يقرب من نصف مليار دولار لعمليات حفظ السلام، و96.3 مليون دولار للبعثات السياسية الخاصة.
ويرى غوتيريش أن عمليات حفظ السلام لا يمكن أن تحل محل الإرادة السياسية لدى الأطراف المعنية لإنهاء النزاع.
وقال: "لا يمكن لأي عملية حفظ سلام أو عملية سياسية تدعمها الأمم المتحدة أن تنجح دون دعم قوي من الدول الأعضاء".
من الطائرات المسيرة إلى التضليل
وأكد غوتيريش أن ولايات بعثات حفظ السلام يجب أن تكون محددة بدقة وذات أهداف قابلة للتحقيق، وقابلة للتكيف، وفعالة من حيث التكلفة، وخاضعة للمساءلة - خاصة فيما يتعلق بادعاءات الاستغلال والاعتداء الجنسيين، والتعاون مع الدول الأعضاء ومكاتب الأمم المتحدة.
عمليا، يتطلب التكيف أكثر من مجرد إعادة صياغة الولايات. ويدعو التقرير إلى النظر في حجم البعثات وزيادة مرونتها، وتعزيز تحليل البيانات والتهديدات، وتوفير التكنولوجيا لمواجهة الطائرات المُسيّرة والمعلومات المضللة، واتخاذ مزيد من التدابير لضمان سلامة قوات حفظ السلام.
وحدد غوتيريش البعثات التي تركز على السلام في كولومبيا والنزاع الحدودي بين الكاميرون ونيجيريا كأمثلة لما يمكن أن تحققه عمليات حفظ السلام في ظل الظروف المناسبة.
استشراف المستقبل
يتضمن استعراض الأمين العام أيضا عشرات التوصيات "لإعادة هيكلة عمليات حفظ السلام بما يتناسب مع حقبة جيوسياسية جديدة" يشوبها مزيد من الحروب، وقيود مالية كبيرة، وتشتت الدعم المقدم لبعثات حفظ السلام.
تشمل التوصيات:
🔹إعطاء الأولوية لتهيئة الظروف اللازمة لتقدم العمليات السياسية،
🔹نشر البعثات لتحقيق أهداف سياسية ذات مصداقية،
🔹تعزيز الشراكات مع الدول المضيفة،
🔹توضيح تقسيم العمل بين وكالات الأمم المتحدة،
🔹وضع استراتيجيات للخروج وخطط انتقالية منذ البداية.
وقبل كل شيء، يعتمد مستقبل عمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة على استمرار إيمان الدول الأعضاء بأنها، على الرغم من أوجه القصور، تظل أدوات أساسية لتهيئة الظروف اللازمة لإنهاء النزاعات، وفقا للأمين العام للأمم المتحدة.
وقال غوتيريش: "معا، يجب أن نبني رؤية مشتركة لما يمكن أن تحققه كل بعثة طوال دورة حياتها".





